مأدبة الصائمين الثالثة

سجناء في سجن ملازم لهم قضبانه من الشحم و اللحم- السمنة نظرة مؤلمة



بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد فهذا إن شاء الله تعالى هو ثالث موضوع في السلسلة الثالثة من مواضيع "مأدبة الصائمين" التي نويت بتوفيق من الله كتابتها خلال هذا الشهر الكريم شهر رمضان المبارك لهذا العام 1430 هجري والتي ستنشر أساسا بموقع إعجاز i3jaz.com.ly بالاضافة إلى عدد من المنتديات.





فلنمعن النظر بصورة هذا الرجل الامريكي المدعو باتريك دويل من ولاية نبراسكا الامريكية وعمره 45 سنة
مسكين هذا الرجل فلقد بلغت به السمنة حدا أن فريقا من الانقاذ المدني اضطر لهدم حائط بالبيت الذي يقيم فيه من اجل نقله للمستشفى لاجراء عملية طارئة

فلقد بلغ وزنه 486 كيلوجرام أو حوالي نصف طن ولهذا اطلق عليه لقب "الرجل نصف الطن"
فلقد كان سجينا داخل بيته ، بالاضافة إلى سجنه داخل كتل الشحم واللحم المحيطة به والملازمة له بإستمرار ليلا ونهارا
صيفا وشتاء

سواء كان واقفا أم جالسا أم نائما

فهو في الواقع سجين داخل هذا البرميل من الشحم

وكأنها عقوبة اشغال شاقة عليه أن يقضيها طول عمره بحمله هذا الوزن على ظهره و على صدره وحتى على وجهه

فماذا لو أنه تخلص من هذا الحمل ليوم واحد

تصوروا معي نشوته لشعوره بالخفة وكأنه طائر بدأ بالتحليق في الجو

السيد باتريك يقول أن سمنته ترجع لاسباب وراثية
غير أن هذا العذر الذي يتعلق به كثير من البدناء غير منطقي.
والصحيح أن الاسباب الوراثية قد تكون السبب في النحافة وليس السمنة
فهناك أناس حالهم عكس حال باتريك هذا ، فبلغت بهم النحافة حد يجعلهم يخجلون من أنفسهم
أي أن أجسامهم غير قادرة على تخزين الاكل الزائد ،فمهما أفرطوا في الاكل لا يظهر عليهم أي أثر.
ذلك أن الاسباب الوراثية تعطي الجسم خاصية تخزين الغذاء الزائد عن حاجة الجسم كشحم ولحم إن توفر ذلك الغذاء.
أي أن هذه الكتل الهائلة من الشحم واللحم لم تأتي من الهواء .

والسيد باتريك ليس وحيدا في هذا العالم ، فلقد إزداد عدد البدناء بشكل مخيف




فصار منظرا كهذا في حديقة عامة منظرا مألوفا
وأتذكر عندما كنت طفل صغير كيف كنا نمشي لمدينة الملاهي لنشاهد إمرأة سمينة جدا ، وكنا ندفع رسوم دخول لمشاهدة تلك المرأة




أم الآن فلربما صار لزاما علينا أن ندفع رسوما حتى لا نراها وأمثالها.




لم يعد يحويهم كرسي واحد




وحتى شركات الطيران صارت تطلب من المسافرين البدناء إما دفع ثمن كرسي إضافي
أو أنها ترفض نقلهم




لم يعد المشي سهلا




والرغبة في الراحة تؤدي بهم للجلوس على أي شيئ




سيحتاجون إلى مساعدة لحمل الكروش ؟




أو عربة مصممة خصيصا لهذا الغرض




إلى متى سيستمر هذا الاختلال في التوازن ؟




إلى متى سنطيع هذا النهم ؟




وهل سنستمر في التطاول في صنع الشطائر كما في البنيان ؟




هل ننتظر حتى يصل الامر بنا إلى عدم القدرة للوصول للمساعدة حتى وإن توفرت ؟




والاسوأ من حال الكبار ، هو حال الصغار الذين سيحرمون حتى من اللعب الضروري لنموهم الجسدي والنفسي

لقد بلغت السمنة حدا مخيفا على المستوى العالمي





فلننظر إلى مدى إنتشار السمنة في العالم حسب إحصائيات عالمية موثوقة
ونبدأها بهذا الرسم المعبر عم نسبة البدناء بالعالم








وخرائط تمثل إنتشار هذا الداء ، ولاحظوا تأثر الدول العربية به وخاصة الاناث




الاسوأ من هذا هو الارتباط الوثيق بين السمنة وأمراض كمرض السكري
وأمراض ضغط الدم
وأمراض القلب

وهناك ابحاث علمية حديثة ربطت بين السمنة وأمراض العيون التي تؤدي الى العمى



ولكي يعي بعضنا أن السمنة هي في الواقع خلل فلننظر ما حولنا
ماذا لو صار كل ما في البيئة التي نعيش فيها بدينا




هل تلاحظوا تألم هذا الحيوان المسكين من جراء حمله الثقيل ؟




قطعا لا تستطيع هذه القطة أن تعيش حياة طبيعية




ولن يستطيع هذا الفأر الهروب إذا تطلب الامر ذلك


ولكن ماذا لو لحقت السمنة حتى بمقتنياتنا من الاشياء التي تحيط بنا ؟




كالسيارة


لقد حرم هؤلاء البؤساء أنفسهم من الكثير من اللحظات السعيدة في الحياة
كخفة الحركة
وإختيار الملابس بحرية
والنوم المريح
والمرح
واللعب مع الاطفال
والتفكير في أمور أخرى غير الاكل والشرب
أدرك أن هذا الموضوع هو مؤلم لكثير من الناس
ولكنه جرس إنذار لآخرين
رجالا كانوا أم نساء واللواتي وضعهن أمر من وضع الرجال ولكني لم أتمكن من نشر صور النساء ضمن هذه السلسلة نظرا لأن معطمها غير محتشمة




حتى لا يكون حالهم كحال هذا السجين "باتريك دويل"
حتى يدركوا نهاية هذا المنزلق الخطير
فإلى متى سنستمر في سجن أنفسنا داخل براميل الشحم ؟

فالسمين أو البدين هو في الواقع سجين



فما العلاج إذن؟

الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام يقول "ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه "

وروي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم ، فضعفت قلوبهم ، وجمحت شهواتهم .

وأورد الامام البوصيري في قصيدة البردة الشهيرة بعض الابيات البليغة الحري بنا التفكر فيها فقال:

فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها **** إن الطعام يقوي شهوة النَّهم
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على **** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وجاهد النفس والشيطان واعصهما **** وإن هما محضاك النصح فاتَّهِم
فاصرف هواها وحاذر أن توليه **** إن الهوى ما تولى يصم أو يصم
وراعها وهي في الأعمال سائمة **** وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وكم حسنت لذة للمرء قاتلة **** من حيث لم يدر أن السم في الدسم
واخش الدسائس من جوع ومن شبع****فرب مخمصة شر من التخم
واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت****من المحارم والزم حمية الندم

وسبق لي أن كتبت موضوعا ضمن المجموعة الاولى من هذه السلسلة بعنوان طريقة بسيطة للتخسيس أو إنقاص الوزن



ونحن الآن بشهر رمضان الذي إن صمناه حق الصوم لأعطانا العزيمة أن نقود أنفسنا خارج هذا السجن

لا أن تقودنا أنفسنا داخل هذه الهوة العميقة

فلنعقد العزم ولنتوكل على الله



أسأل الله تعالى أن يتقبل منا الصلاة والصيام والقيام

وأن يحشرنا في زمرة خير الانام

وأن يبلغنا ليلة القدر ويمكننا من إحيائها

وأن يلهمنا أن ندعوه فيها بما يحب لنا أن ندعو به

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مهندس محمد خالد الكيلاني

رجوع





www.alkeilani.com