قتلت يوم قتل الثور الابيض




 قتلت يوم قتل الثور الابيض



ملخص هذا المقال هو عن أحداث طرابلس الدامية يوم الجمعة وكيف أنها قد ذكرت الجميع بما حدث في بنغازي من احداث مؤسفة.
وحكاية الثور وردت ضمن قصص كليلة ودمنة والتي نقلها من الهندية إلى العربية عبد الله إبن المقفع وسأعطيكم ملخص لهذه الحكاية.

جاع الاسد يوما إلى أن رأى من بعيد ثلاثة من الثيران لكنه عرف أنه لن يقدر على مواجهتها جميعا متحدة ففكر ان يحتال عليهم وأقترح عليهم ان يصبحوا أصدقاء فقبلوا عرضه لظنهم أن هذا التحالف سيمنحهم الامان.

فقادهم بثقة إلى الغابة حيث العشب الوفير وانفرد بالثور الاسود قائلا له ان الثور الابيض بلونه الواضح يعرضهم للخطر ليلا أو نهارا وأقنع الثور الاحمر بذلك وإستحسنا الفكرة لأن هذا يعطيهما حصة الثور الابيض من الكلأ فأفترس الاسد الثور الابيض بشراهة.

وفي يوم آخر إنفرد الاسد بالثور الاسود مرة أخرى قائلا له ان الثور الاحمر يشكل خطرا عليه بسبب لونه اللامع فلو تخلص منه لصارت الغابة كلها مرتعا خصبا له وحده فقضى على الثور الاحمر هو الآخر وافترسه.

ومضى الاثنان في الغابة إلى ان جاع الاسد وبدأ يفاتح رفيقه الثور الاسود الذي أحس بمصيره المحتوم في أن يكون هو الوجبة القادمة للاسد فبدا يتحسر على تفريطه في صديقيه وقال في نفسه "لقد قتلت يوم قتل الثور الأبيض"

وهذه القصص إنما كتبت للعبرة في كل مكان وزمان ولعل موضوع الساعة بالنسبة لنا في ليبيا هذه الايام هو قضية المجموعات المسلحة أو الميليشيات. وحتى أوفر على بعض القراء عناء ربط المثل بالواقع فالمقصود بالثور الابيض هنا هو بنغازي التي عانت من احداث مأساوية وقتل للمتظاهرين والامر من ذلك هو إفلات المجرمين من العقاب.

في مقال سابق لي بعنوان "المرارة التي تجعل طعم المر يحلو" ضربت هذا المثل لهذه المجموعات المسلحة:
"فمثلنا كمثل من وجد بجانب الماء بيضة مجهولة المصدر ففرح بها وتأمل منها خيرا واحتضنها حتى فقس منها تمساح شرس بطبعه فبدا له في بداية الامر انه مجرد “بيبي كروكيدايل”.
كان بإمكاننا من البداية توصيل النقاط بخط لتتضح لنا معالم صورة الوحش الذي ولد عندنا. غير أن مجلسنا الانتقالي المؤقت لم يكن لديه بعد النظر ليكتشف حقيقة الامر، بل صار يطعم هذا الوحش حتى كبر"

فالتمساح هنا المقصود به هذه المجموعات المسلحة.

والجميع الآن صار يرى ما يسميه صناع الافلام Flash back فصاروا يستشهدون بما حدث في بنغازي والغريب حقا أن الذين يدافعون عن تواجد هذه المجموعات المسلحة يستشهدون هم أيضا بما حدث في بنغازي ومجادلتهم هي ان المتظاهرين كان الاجدر بهم أخذ العبرة مما حدث في بنغازي وعدم الاقتراب من هذه المعسكرات.
ومأساتنا الآن هي اننا لم نطبق العدالة ولم نقتص ممن قتل المتطاهرين في بنغازي ولو فعلنا ذلك لأصبحنا نحن الآن نواجههم بقولنا عليكم انتم أن تأخذوا العبرة مما جرى للقتلة في بنغازي ونخوفهم بالقصاص.

فما حدث في بنغازي منذ أشهر وما حدث في طرابلس منذ أيام هما صنوان. والفرق بينهما هو المكان والزمان فقط.
وإستمرار هذه المظاهرات و الاحداث ستؤدي حتما لخروج هذه المجموعات المسلحة من المدينتين الكبريين.
غير ان هناك أمرا آخر أكثر مرارة قد يواجه سكان طرابلس كما يواجهه سكان بنغازي الآن
وهو أن هذه المجموعات بعد خروجها ستبدأ في مرحلة جديدة مرحلة الانتقام بالاغتيال الصامت والتفجيرات المرعبة.
فمن ناحية تريد هذه المجموعات أن تنتقم ممن اخرجها من نعيمها ومن ناحية أخرى تريد أن تقول كأنها هي التي كانت توفر الامن للسكان.
ولعل بعض المدن الليبية الاخرى لم تدرك بعد أن ما حدث في بنغازي وما يحدث في طرابلس ليس هي نهاية الحكاية.
وقد يتبادر لذهن بعض القراء أنه إن كانت بنغازي في هذه الحكاية يمثلها الثور الابيض فإن طرابلس يمثلها الثور الاسود.
كلا ، طرابلس في هذه الحكاية البليغة يمثلها الثور الاحمر.
وأما الثور الاسود فهو المثال القادم لمدينة مصراته
نعم مصراته.
فالدرس الاكبر يجب أن تعيه مدينة مصراته وهنا أود ان أذكرهم بما يعانيه الامريكان عندما يعود الجنود الامريكيون من الحروب .
وفي أمريكا هناك إصطلاح أو مثل يقول "The chickens come home to roost"
وترجمته ببساطة ان الدجاج قد عاد ليفرخ أما المغزى فهو ان هذا الدجاج قد عاد بالمصائب والمشاكل.

فهذه المجموعات المسلحة المتواجدة الآن في عدة مدن ليبية وأكثرها في طرابلس ستعود حتما إلى مصراته.
وستحاول أن تستمر في ممارسة نشاطها السابق الذي إعتادت عليه فهل إستعدت مصراته لعودتها ؟
فهذه المجموعات المسلحة (الميليشيات) قد تعودت على نمط حياة لا يليق بشاب أن يفعله في بيته من شرب للخمور وزنى وخطف وتعذيب للابرياء وسيارات مسلحة وقتل وعراك.

فيا ترى عندما تعود هذه المجموعات المسلحة لمصراته كيف ستجد متبغاها الذي تعودت عليه؟
سيبدأ الامر بإستيراد الخمور وسيغض بعض أهل المدينة الطرف عن هذه الآفة بحكم أنها نوع من التنفيس عن هؤلاء الشباب.
وبعدها سيبدأ المخمور في البحث عن النساء وهو مسلح وليس أمامه سوى بنت عمه أو حليلة جاره التي يحميها زوجها المسلح هو أيضا.
عندها فقط ستدرك مصراته المغزى والحكمة من هذه القصة وهذا المقال

وستقول بحسرة "قتلت يوم قتل الثور الابيض"

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مهندس محمد خالد الكيلاني

رجوع





www.alkeilani.com